وجهة نظر حول تعرض الغير الخارج عن الخصومة بقلم الأستاذة بوزلماط ميسان

0
234

قرارات المحافظ العقاري ومدى الطعن فيها

الأستاذة بوزلماط ميسان

قرارات المحافظ العقاري ومدى الطعن فيها

عن الأستاذة بوزلماط ميسان

طالبة باحثة في سلك الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان ومحامية بهيئة المحامين بطنجة

مقدمة:

يعتبر التحفيظ العقاري مرحلة حاسمة في تقرير مصير العقار وتحديد من هو مالكه وماهي الحقوق العينية المنصبة عليه، ذلك أن التحفيظ العقاري هو مجموع الإجراءات والعمليات التي ينبغي القيام بها لجعل العقار خاضعا النظام المقرر في ظهير 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) المعدل والمتمم بالقانون 14.07 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.177 بتاريخ  25 من ذي الحجة (22.11.2011)[1] المتعلق بالتحفيظ العقاري.

ويروم التحفيظ العقاري حسب الفصل الأول من القانون المذكور، إلى جعل العقار المحفظ خاضعا لنظام التحفيظ المقرر في هذا القانون من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه فيما بعد، بحيث يترتب عن ذلك تأسيس رسم عقاري نهائي وبطلان ما عداه من الرسوم، وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة به، فضلا عن تقييد كل التصرفات والوقائع الرامية إلى تأسيس أو نقل أو تغيير أو إقرار أو إسقاط الحقوق العينية والتحملات المتعلقة بالملك في الرسم العقاري المؤسس له، بمعنى اخر  يعتبر رسم الملكية المنطلق الوحيد والمعيار المتفرد لتحديد هوية العقار المحفظ من الناحيتين المادية  والقانونية[2].

هذا وتنجم عن التحفيظ مجموعة من الآثار يمكن الإشارة إليها كما يلي:

-الأثر الأول: تطهير العقار من كل ما يمكن أن يكون قد علق به من حقوق سابقة على التطهير واكتساب رسم التمليك صبغة نهائية غير قابلة للطعن.

هذا ويرد على الأثر الأول استثناءات تمس بقاعدة التطهير واكتساب رسم التمليك صفة نهائية مثل الأملاك العامة بحيث لا يمكن تحفيظها على رسم شخص اخر تحت طائلة عدم الاعتبار، لأن الأملاك العامة لا يقبل التصرف فيها ولا يمكن اكتساب ملكيتها عن طريق التقادم.

الأثر الثاني: اكتساب الحقوق المسجلة مناعة مطلقة تجعلها غير قابلة للتقادم المكسب أو المسقط.

– الأثر الثالث: عدم جواز المطالبة بالحقوق العينية من طرف المتضرر من عملية التحفيظ، ذلك أن من تضرر من عملية التحفيظ سواء أكان ذلك ناتجا عن حسن نية أو سوء نية من طالب التحفيظ أو من خطأ المحافظ، لا تسمع دعواه الرامية إلى الحصول على حقه العيني بعد عملية التحفيظ، باعتبار أن رسم التمليك يعتبر المنطلق الوحيد للحقوق العينية والتحملات العقارية من وقت تحفيظ العقار دون سواها من الحقوق العينية غير المسجلة.

هذا وتعتبر مؤسسة المحافظ ذات أهمية بالغة في تحفيظ العقار، لأنها تلعب دورا أساسيا ومصيريا في تحديد مصير العقار وإنشاء رسم ملكية خاص به ليعتبر هو المنطلق الوحيد للاعتداد بالحقوق العينية والتحملات العقارية المترتبة عن العقار وقت تحفيظه دون ما عداها من الحقوق غير المقيدة طبقا لمقتضيات الفصل 62 من قانون التحفيظ العقاري.

وتجدر الإشارة إلى أن المحافظ  باعتباره الساهر المتفرد والمسؤول الأول عن جميع الحقوق العينية العقارية المملوكة للأفراد والمؤسسات بدءا من تحفيظها وانتهاء بصدور رسم عقاري نهائي للملكية ولجميع الحقوق العينية، يقوم بإصدار مجموعة من القرارات التي تدخل في اختصاصه ، غير أن هذه القرارات تختلف فيما بينها ولا سيما من حيث مدى قابلية الطعن فيها أمام شتى الجهات القضائية أم العكس، بمعنى هل تعتبر جميع القرارات التي يصدرها المحافظ العقاري قابلة للطعن أمام الجهات القضائية  أو أن بعضها لا يقبل الطعن باعتبارها قرارات نهائية؟

إن الجواب عن هذا التساؤل يجرنا إلى التعرض إلى مطلبين رئيسيين:

أولهما : يتعلق بقرارات المحافظ العقاري القابلة للطعن

وثانيهما: يرتبط بقرارات المحافظ العقاري غير القابلة للطعن

المطلب الأول: قرارات المحافظ  العقاري القابلة للطعن

تخضع مبدئيا قرارات المحافظ للطعن أمام الجهات القضائية المختصة، إلا ما استثني منها من طرف المشرع.

فهذه القرارات القابلة للطعن هي عديدة ومتنوعة بعضها يخضع للطعن أمام القضاء العادي (الفقرة الأولى)، في حين يخضع البعض الآخر للطعن أمام القضاء الإداري (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: قرارات المحافظ  القابلة للطعن أمام القضاء العادي

أشار المشرع في ظهير التحفيظ العقاري إلى قرارات المحافظ التي يجوز الطعن فيها أمام المحكمة الابتدائية في الفصول 37 مكرر و96 و103 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 14.07 إضافة إلى القرارات المنصوص عليها في الفصلين  29 و 30 من القرار المؤرخ في  3- 6 – 1915.

وسنتولى الإشارة إلى قرار المحافظ القاضي برفض طلب التحفيظ وذلك في (أولا)، ثم نتحدث عن قرار المحافظ القاضي برفض تقييد حق عيني أو التشطيب عليه في (ثانيا) لنكمل الحديث عن قرار المحافظ برفض تسليم نظير الرسم العقاري في (ثالثا)، لنختم ببعض القرارات المتخذة في إطار الفصلين 29 و 30 من القرار الوزيري المؤرخ في 1915-6-3 وذلك في (رابعا).

أولا: قرار المحافظ  العقاري القاضي برفض طلب التحفيظ

يعتبر المحافظ المسؤول الوحيد الذي له حق النظر في قبول مطلب التحفيظ أو رفضه كلا أو بعضا، بغض النظر عن كون مطلب التحفيظ انصبت عليه تعرضات أم لا.

وغالبا ما يصدر المحافظ قراره برفض التحفيظ لعدم تقديم الطلب طبقا للقواعد والإجراءات المنصوص عليها قانونا أو لعدم كفاية المستندات المؤيدة لمطلب التحفيظ، وفي حالة إصدار المحافظ قراره برفض التحفيظ، فينبغي أن يكون هذا القرار معللا تعليلا قانونيا وواقعيا، وذلك طبقا لمقتضيات الفصل 37 مكرر من قانون التحفيظ العقاري.

وهذا القرار يجب على المحافظ أن يبلغه لطالب التحفيظ ليكون هذا الأخير على علم به، بحيث يمكن   لهذا الأخير الطعن في قرار المحافظ أمام المحكمة الابتدائية التي يمكن أن يكون حكمها قابلا للطعن بالاستئناف في حالة تأييد قرار المحافظ، كما يمكن للقرار الاستئنافي أن يكون موضوع طعن بالنقض أمام محكمة النقض.

ويمكن أن نتساءل عن الأثر الثاوي وراء رفض مطلب التحفيظ إزاء طالب التحفيظ؟

إن الجواب عن هذا التساؤل يتمثل في أن المحافظ الذي يرفض مطلب التحفيظ يجب عليه أن يوجه إنذارا إلى هذا الأخير لكي يزيل اثار التحديد المؤقت خلال مدة يحددها له[3]، فإن لم يقم بذلك تتكلف المحافظة بنفسها بإزالة اثار التحديد على نفقة طالب التحفيظ، وعندما يمتنع هذا الأخير يمكن للمحافظ أن يستعين بالقوة العمومية، وهذا ما كرسته مقتضيات المادة 38 من ظهير التحفيظ العقاري.

ولا شك أن من أهم اثار رفض مطلب التحفيظ، إرجاع هذا الأخير وجميع المعنيين بالأمر بالنسبة لكل العقار إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل تقديم طلب التحفيظ، مع ملاحظة أن الأحكام الصادرة في شأن التعرضات تكون لها اثار ملزمة بين الأطراف بعد اكتسابها قوة الشيء المقضي به طبقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 38 من قانون التحفيظ العقاري.

ثانيا: قرارات المحافظ القاضية برفض تقييد حق عيني أو التشطيب عليه

تنص مقتضيات الفصل 96 من قانون التحفيظ العقاري المعدل بقانون 14.07 على أنه” يجب على المحافظ على الأملاك العقارية في جميع الحالات التي يرفض فيها تقييد حق عيني أو التشطيب عليه أن يعلل قراره ويبلغه للمعني بالأمر.

بكون هذا القرار قابلا للطعن أمام المحكمة الابتدائية التي تبت فيه مع الحق في الاستئناف وتكون القرارات الاستئنافية قابلة للطعن بالنقض”.

فهذا الفصل يشير إلى أن قرار المحافظ القاضي برفض تقييد حق عيني أو التشطيب عليه في السجل العقاري، ينبغي أن يكون معللا تعليلا قانونيا وواقعيا، كما يجب تبليغه إلى الطرف المعني، يعني  يكون لطالب التحفيظ الحق  في الطعن فيه أمام المحكمة الابتدائية التي يكون حكمها قابلا للطعن بالاستئناف وبدوره يكون القرار الاستئنافي قابلا للطعن أمام محكمة النقض.

وواضح أن قرار المحافظ القاضي برفض تقييد حق عيني أو التشطيب عليه والذي يمكن أن يطعن فيه طالب التحفيظ، يجب أن يكون هذا الطعن موجها ضد المحافظ نفسه وليس إلى أي طرف اخر، باعتباره مدعى عليه، بحيث يجب على المحافظ أن يجيب على مقال الطعن المرفوع ضده ويبين بواسطته جوابه ويشرح فيه الحيثيات والتعليلات التي استند عليها لرفض التقييد أو التشطيب.

ثالثا: قرار المحافظ القاضي برفض تسليم نظير جديد للرسم العقاري

أشار المشرع العقاري في الفصل 101 المعدل والمتمم بالقانون رقم 14.07 إلى أنه في حالة تعرض نظير  الرسم العقاري للضياع أو السرقة أو التلف وكذلك شهادة التقييد الخاصة، فإن صاحبها يقدم للمحافظ تصريحا أو طلبا لتمكينه من تسليمه نظير الرسم العقاري يتضمن هويته وظروف الضياع أو السرقة أو التلف وجميع ما يتوفر عليه من معلومات تثبتها الوثائق المدعمة لطلبه وفي حالة ما إذا اقتنع المحافظ بمصداقية الطلب وجديته يقرر المحافظ تسليمه نظير الرسم العقاري أو نسخة من شهادة التقييد الخاصة بعد مرور 15 يوما من تاريخ نشر إعلان بذلك في الجريدة الرسمية.

ولكن الفصل 103 من نفس القانون أشار إلى إمكانية التعرض على تسليم نظير الرسم العقاري أو نسخة من شهادة التقييد الخاصة من طرف من له المصلحة في ذلك، وفي حالة رفض المحافظ بتسليم نظير الرسم العقاري، فإن طالب النظير يمكن له الطعن في قرار المحافظ المذكور أمام المحكمة الابتدائية.

رابعا: القرارات المتخذة في إطار الفصلين [4]29 و[5]30 من القرار الوزيري المؤرخ في 1915- 6- 3.

تتعلق هذه القرارات التي يتخذها المحافظ بما يمكن أن تتسم به من أخطاء شابت عملية التحفيظ أو تقييد لاحق للتحفيظ في إطار إشهار الحقوق العينية، وهي أخطاء تتمثل في أغلاط مادية أو إغفالات أو مخالفات، بحيث يمكن في هذه الحالات للأطراف المعنية أن يطلبوا من المحافظ تصحيح الرسم أو التقييد، مالم يبادر المحافظ من تلقاء نفسه وبموافقة الأشخاص المعنيين إلى تدارك الأمر، مع ملاحظة أن تلك التقييدات أو التسجيلات السابقة التي اتسمت بالأخطاء ينبغي أن تبقى على حالها قبل أن تقيد التصحيحات بتاريخ إنجازها.

وإذا افترضنا أن المحافظ لم يوافق على طلب التصحيح الذي قدمه الطرف المعني، فإنه يمكن لهذا الأخير رفع الأمر إلى القضاء لتصدر المحكمة قرارها في غرفة المشورة، والمحكمة المقصودة هنا هي المحكمة الابتدائية (العادية) حتى ولم يشر إليها المشرع صراحة.

الفقرة الثانية: قرارات المحافظ القابلة للطعن أمام القضاء الإداري

تتعلق هذه القرارات بتلك التي يتخذها المحافظ خارج الحالات السابقة المتحدث عنها والتي هي من اختصاص المحاكم العادية، والقرارات المقصودة هنا والتي تقبل الطعن أمام القضاء الإداري تكون متسمة بالشطط في استعمال السلطة، بمعنى أن المشرع إذا كان قد حدد الحالات التي تخول الطعن في قرارات المحافظ أمام المحكمة الابتدائية أي العادية، فإن باقي الحالات تكون فيها قرارات المحافظ قابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية للسبب المذكور.

ونشير هنا إلى أهم القرارات التي تكون قابلة للطعن أمام القضاء الإداري متى اتسمت بالشطط في استعمال السلطة وتتمثل في قرار إلغاء مطلب التحفيظ وذلك في (أولا)، والقرار القاضي بإلغاء التعرض وذلك في (ثانيا).

أولا: قرار إلغاء مطلب التحفيظ

يجب التفرقة بين رفض المحافظ مطلب التحفيظ الذي يتم الطعن فيه أمام المحكمة الابتدائية وبين إلغاء مطلب التحفيظ الذي يتم الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية باعتباره قرارا إداريا صادرا عن سلطة إدارية مختصة بسبب الشطط في استعمال السلطة.

فبالنسبة لحالة الرفض فإنها تكون غالبا عند عدم توفر مطلب التحفيظ على الشروط المطلوبة بداية وبمناسبة تقديم المطلب للمرة الأولى.

وبخصوص حالة الإلغاء، فإنها تأتي بعد مطلب التحفيظ عندما يكون هناك مبرر يقضي بإلغائه.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن حالات الرفض إذا كانت شبه محددة، فإن حالات الإلغاء  متواجدة بكثرة مقارنة مع حالات الرفض، باعتبار أن تقديم المطلب بداية يقوم على قرينة على أن طالب التحفيظ يظهر هو المالك الحقيقي.

وبالرجوع إلى المقتضيات القانونية المتعلقة بالتحفيظ العقاري، نجد أن إلغاء مطلب التحفيظ يعود إلى كون طالب التحفيظ أو من ينوب عنه لم يحضر عملية التحديد أو عدم قيام طالب التحفيظ بما يلزم لإجراء عملية التحديد، ولا سيما بعد توجيه إنذار إلى طالب التحفيظ من طرف المحافظ وعدم إدلائه بعذر مقبول داخل اجل شهر من توصله بالإنذار وبالمثل، فإن إلغاء مطلب التحفيظ من طرف المحافظ يتم إذا تعذر على المحافظ إنجاز عملية التحديد لمرتين متتاليتين كأن يكون هناك نزاع حول الملك[6].

هذا ويمكن تحديد حالات إلغاء مطلب التحفيظ فيما يلي:

– حالة تغيب طالب التحفيظ عن حضور عملية التحديد طبقا لمقتضيات الفصل 22 وما يليه من ظهير التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بقانون 14.07.

– حالة التماطل التي اتسم به سلوك طالب التحفيظ في متابعة إجراءات مسطرة التحفيظ بعد تبليغه بالإنذار من طرف المحافظ.

– حالة عدم كفاية الحجج والوثائق المدلى بها تأييدا لمطلب التحفيظ.

– عدم إثبات الفرق الكبير في مساحة العقار الناتج عن عملية التحديد.

– صدور حكم قضائي نهائي لفائدة المتعرضين.

هذا ويلزم المشرع العقاري المحافظ في حالة إصداره قرار بإلغاء مطلب التحفيظ طبقا للحالات السالفة الذكر أو في غيرها تعليل هذا القرار.

وعموما فإن المحافظ على الأملاك العقارية يصدر قراره بإلغاء مطلب التحفيظ في حالة عدم قيام طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة وذلك داخل ثلاثة أشهر من يوم تبليغه إنذارا من المحافظ بواسطة إحدى الوسائل الرسمية المنصوص عليها قانونا.

فهذا القرار لئن اختلف فيه فقهاء القانون[7] من حيث الجهة القضائية التي ينبغي رفع الطعن إليها ضد قرار المحافظ القاضي بإلغاء مطلب التحفيظ، خاصة وأن النصوص القانونية في هذا المجال تفتقر بتوضيح دقيق للجهة المختصة المرفوع إليها الطعن المذكور، إلا أن الراجح هو أن هذا الطعن يرفع أمام القضاء الإداري وليس أمام القضاء العادي خلافا للطعن في قرار المحافظ القاضي برفض مطلب التحفيظ.

كما يمكن لطالب التحفيظ أن يطعن في قرار المحافظ القاضي بإلغاء مطلب التحفيظ لدى المحافظ العام للملكية العقارية، بحيث يعتبر هذا الطعن بمثابة تظلم أو طلب استعطاف لإعادة النظر في قرار المحافظ، مع ملاحظة أن هذا الطعن يحول دون مواصلة مسطرة الطعن القضائي في القرارات الإدارية، والمحافظ العام يمكن له إذا رأى نوعا من الشطط في قرار المحافظ يمكن له تعديل قرار هذا الأخير بواسطة توجيه أمر يقضي بالتراجع عن قراره ولا يمكن له الحلول محل المحافظ العقاري في اتخاذ قرار بتحفيظ القرار.

وهكذا نستخلص من المناقشة أعلاه أن الطعن في قرار المحافظ القاضي إما برفض مطلب التحفيظ أو بإلغاء مطلب التحفيظ  مع وجود فرق بينهما يتم إما أمام القضاء العادي (المحكمة الابتدائية أو القضاء الإداري (المحكمة الإدارية)، فإذا كان من المتفق عليه أن الطعن في قرار المحافظ القاضي برفض مطلب التحفيظ يرفع أمام المحكمة الابتدائية، إلا أن قراره القاضي بإلغاء مطلب التحفيظ اختلف فيه هل يتم أمام المحكمة الابتدائية أم أمام المحكمة الإدارية.

ونحن من وجهة نظرنا نميل إلى القول بأن قرار المحافظ القاضي بإلغاء مطلب التحفيظ باعتباره قرارا إداريا يحق للمتضرر الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية متى كان متسما بالشطط في استعمال السلطة أو انعدام المشروعية.

ثانيا : قرار إلغاء التعرض

قد تصطدم عمليات التحفيظ التي ينجزها طالب التحفيظ بتعرضات يقيمها من يدعي حقا عينيا على عقار موضوع التحفيظ، وهذه التعرضات فصل المشرع القول فيها من حيث مواعيد تاريخ تقديمها أو الشروط التي يجب توافرها في طلب التعرض من حيث الوثائق والمستندات الضرورية، فضلا عن أداء الرسوم القضائية الواجبة لفائدة المحافظة.

ونظرا لأهمية التحفيظ  العقاري في تحريك العجلة الاقتصادية، بحيث أصبح العقار في طور التحفيظ يدخل في صلب اهتمام مجموعة من الأشخاص بمن فيهم من يمتهنون مهنة إقامة التعرضات التعسفية  على مطالب التحفيظ بهدف ابتزاز أصحابها عن طريق عرقلة إجراءات تحفيظ ممتلكاتهم، بحيث يلجأون إلى عدة وسائل منها عدم التصريح بعنوانهم الحقيقي وعدم أدائهم الرسوم القضائية وحقوق الترافع وعدم الإدلاء بالحجج المؤيدة، وإذا ما اضطروا إلى ذلك فإنهم يدلون بنفس الحجج للتعرض على مطالب متعددة يظهر منها أنها لا علاقة لها بأرض النزاع أو يدلون بوثائق لا تفيد الملك كرسم الإراثة مثلا[8].

وإذا كان مثل هذا التعرض التعسفي أو الكيدي الذي يقيمه سيئ النية ضد مطلب التحفيظ، فإن المحافظ مع ذلك يجد نفسه ملزما لإحالة الملف على المحكمة للبث في التعرض غير المدعم بالمستندات اللازمة، مما يجعل المحكمة تصدر بسهولة حكمها بعدم صحة التعرض كما فعلت ابتدائية مكناس في حكمها الذي قضى حيث إنه” بعد اطلاع المحكمة على حجج المتعرضين فقد ثبت لها أنها لا ترقى دليلا كافيا إثبات تملكهم لجزء من وعاء مطلب التحفيظ، إذ أن أغلب الحجج انحسرت في رسم إراثة وهي لا تثبت الملك”[9].

وإذا كان قرار المحافظ  القاضي بإلغاء التعرض لعدم أداء الرسوم القضائية أو لعدم تقديم الحجج الكافية، يخضع مبدئيا للطعن أمام المحكمة الابتدائية، فإنه يخضع كذلك للطعن أمام المحكمة الإدارية باعتباره يتسم بالشطط في استعمال السلطة، بحيث اعتبره الأستاذ محمد خيري[10]  قرار فيه شيء من التعسف خاصة إذا كان لا يتوفر على المساعدة القضائية داخل الأجل المحدد لكونه يجهل إجراءاتها، في حين يرى البعض الآخر كفاطمة الحروف[11] ” ذلك أنه من العبث إلغاء التعرض بسبب عدم أداء الرسوم القضائية وحقوق المرافعة دون البحث والتقصي في مدى جدية التعرض مما يفوت الفرصة على المتعرض للمثول أمام القضاء والمطالبة بحقوقه، وبذلك يصبح المحافظ على الأملاك العقارية يقوم بدور شبه قضائي، لأن مهمة تحصيل الرسوم القضائية في الأصل هي من سلطات الجهاز القضائي، فقد يملك المتعرض  من الحجج ما يجعله قادرا على إقناع المحكمة بصحة تعرضه من خلال تقديمه للحجج.

فمثل هذه الآراء تميل إلى جعل المحكمة الإدارية مختصة في طلبات إلغاء التعرضات الناجمة عن عدم أداء الرسوم القضائية.

أضف إلى ذلك هناك قرارات أخرى يصدرها المحافظ وتكون قابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية نشير إليها كما يلي :

1- رفض تنفيذ الأحكام النهائية عبر إشهارها بالسجلات العقارية لسبب من الأسباب سواء تعلق الأمر بالتقييد أو التشطيب.

2- امتناع المحافظ عن إرجاع نظير الرسم العقاري لصاحبه الذي سبق أن سلمه له الإجراء  تقييد أو تشطيب بالرسم العقاري المعني به.

3- قرارات المحافظ المتعلقة بفرض وجيبات المحافظة أو الرسوم القضائية أو الذعائر والغرامات وتحصيلها.

4- رفض إحالة مطلب التحفيظ على المحكمة.

5- رفض تغيير رسم الملك المتعلق بالعقار المحفظ.

وتنبغي الإشارة هنا إلى أن محل اختصاص المحاكم الإدارية يتسم أيضا بالنظر في القرارات التي لم يشر المشرع إلى إمكانية الطعن فيها، ولم يحدد الجهة المختصة للبث فيها، بحيث نجد أن المشرع سكت عن إمكانية الطعن في بعض القرار وعدم تحديده للجهة المختصة بمراقبتها، إلا أنه يستشف من المادة 8 من قانون 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية أن هذه الأخيرة هي صاحبة الولاية العامة للنظر في طلبات إلغاء قرارات السلطة الإدارية بسبب تجاوز السلطة مادام قرار المحافظ يعتبر قرارا إداريا ومتسما بالشطط في استعمال السلطة أو بعدم المشروعية.

ونستشهد في هذا الصدد بقرار أصدرته المحكمة الإدارية بالدار البيضاء قضت فيه أن ” القرار الإداري الضمني المتخذ من قبل المحافظ على الأملاك العقارية بعدم تنفيذ حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به يتسم بالشطط في استعمال السلطة ويتعين إلغاؤه”[12].

فهذا الحكم اعتبر قرار المحافظ قرارا إداريا متسما بعدم المشروعية وبالشطط في استعمال السلطة يستحق الإلغاء من طرف القضاء.

المطلب الثاني: قرارات المحافظ  العقاري غير القابلة للطعن

إذا كان المشرع قد أخضع قرارات المحافظ للطعن أمام القضاء العادي (المحكمة الابتدائية) أو غير العادي (المحكمة الإدارية)، إلا أن بعضها منع الطعن فيها لاعتبارات إدارية واجتماعية ومنطقية أيضا يمكن أن نصنفها على صنفين أولهما يتعلق بقرارات المحافظ برفض التعرض الاستثنائي(الفقرة الأولى) وثانيهما يخص قرارات المحافظ بتحفيظ العقار(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: قرار المحافظ برفض التعرض الاستثنائي

قد يصدر المحافظ  قرارا برفض التعرض الاستثنائي الذي تقدم به متعرض على مطلب التحفيظ خارج الأجل القانوني، وهو قرار غير قابل للطعن، كما يمكن له أن يصدر قراره القاضي بقبول التعرض الاستثنائي طبقا لمقتضيات الفصل 29 من قانون التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بقانون 14.07.

وللمزيد من تسليط الأضواء على التعرض الاستثنائي، نأتي إلى الحديث عن مفهومه وذلك في (أولا)، ثم نتحدث عن نتائج قرار المحافظ القاضي برفض التعرض الاستثنائي وذلك في (ثانيا).

أولا: مفهوم التعرض الاستثنائي

عرف الأستاذ مأمون الكزبري التعرض بصفة عامة على أنه ادعاء يتقدم به أحد من الغير ضد طالب التحفيظ بمقتضاه ينازع في أصل حق ملكية طالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق أو في حدود العقار المطلوب تحفيظه، أو يطالب بحق عيني مترتب له على هذا العقار، وينكر عليه طالب التحفيظ الذي لم يشر إليه في مطلبه[13].

كما عرفه الأستاذ محمد خيري باعتباره وسيلة قانونية يمارسها الغير، للحيلولة دون إتمام إجراءات التحفيظ وذلك من خلال الآجال القانونية المقررة، بحيث تهدف إلى توقيف إجراءات التحفيظ من طرف المحافظ وعدم الاستمرار فيها إلى أن يرفع التعرض ويوضع حد للنزاع  عن طريق المحكمة أو إبرام صلح بين الأطراف[14].

هذا وقد ضمن المشرع في قانون التحفيظ العقاري أنواع التعرضات ومن هم الأشخاص اللذين يحق لهم رفعها ضد مطلب التحفيظ، كما أشار إلى شكلياتها والشروط الواجبة توافرها في طلبات التعرض والمدة التي يجب احترامها عند تقديم طلبات التعرض.

ومن بين التعرضات التي تحدث عنها المشرع، التعرض الاستثنائي المنصوص عليه في الفصل 29 من قانون التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بقانون 14.07 وقد نص على ما يلي:

” بعد انصرام الأجل المحدد في الفصل 27 أعلاه يمكن أن يقبل التعرض بصفة استثنائية من طرف المحافظ على الأملاك العقارية، ولو لم يرد على مطلب التحفيظ أي تعرض سابق، شريطة أن لا يكون الملف قد وجه إلى المحكمة الابتدائية.

يتعين على المتعرض أن يدلي للمحافظ على الأملاك العقارية بالوثائق المبنية للأسباب التي منعته من تقديم تعرضه داخل الأجل، وبالعقود والوثائق المدعمة لتعرضه، كما يتعين عليه أن يؤدي الرسوم القضائية وحقوق المرافعة أو يثبت حصوله على المساعدة القضائية.

يكون قرار المحافظ على الأملاك العقارية برفض التعرض غير قابل للطعن القضائي”.

فهذا الفصل أعطى صلاحية المحافظ على الأملاك العقارية قبول التعرض خارج الأجل ولو لم ترد على مطلب التحفيظ تعرضات سابقة قدمت داخل الأجل، ولكن هذه الصلاحية مشروطة بأن لم يكن الملف قد وجه إلى المحكمة الابتدائية وألا يكون المحافظ قد اتخذ قرار بتحفيظ العقار، كما يشترط في من يتقدم بطلب التعرض الاستثنائي إلى المحافظ أن يرفق مع طلب تعرضه جميع الحجج وكل المستندات التي تدعم تعرضه الاستثنائي، ويشرح الظروف والأسباب التي منعته من تقديم تعرضه داخل الأجل، فضلا عن وجوب أدائه الرسوم القضائية وحقوق المرافعة أو أن يثبت حصوله على المساعدة القضائية.

فإذا بث المحافظ في طلب التعرض الاستثنائي وأصدر قراره بالرفض، فإن قرار المحافظ يكون نهائيا غير قابل للطعن.

ويلاحظ أنه رغم الصبغة الاستثنائية للتعرض المنصوص عليه في الفصل 29 من ظهير التحفيظ العقاري، فإن هذا النوع من التعرض أصبح هو القاعدة العامة ولم يعد متسما بالصبغة الاستثنائية كما أوصى بذلك المشرع.

ونظرا لشيوع قبول طلبات التعرض الاستثنائي من طرف أكثر من جهة ( المحافظ – وكيل الملك)، فقد اضطر المشرع على إدخال تعديل على الفصل 29 من قانون التحفيظ العقاري بمقتضى القانون المعدل  المتمم له رقم 14.07:

– ليصبح قاصرا على المحافظ العقاري فقط.

– ويتم التنصيص صراحة على إمكانية قبول التعرض الاستثنائي حتى ولو لم يرد على مطلب التحفيظ المعني أي تعرض سابق.

–  ويتم التنصيص صراحة أيضا على إلزام صاحب التعرض الاستثنائي شرح الظروف والأسباب التي منعته من تقديمه داخل الأجل.

-وأيضا تم التنصيص صراحة على عدم قابلية رفض التعرض الاستثنائي للطعن القضائي.

وكمثال صارخ على قبول طلبات التعرض الاستثنائي من طرف النيابة العامة على نحو متسرع وتعسفي قبل بروز التعديل أعلاه، هو أنه قضت المحكمة الإدارية بمراكش بإلغاء قرار وكيل الملك الذي قضى بفتح أجل جديد للتعرض رغم البث في التعرضات المقدمة ضد مطلب التحفيظ ابتدائيا واستثنائيا ونقضا وإحالة ملف مطلب التحفيظ على المحافظ[15].

والملاحظ في نظرنا أنه رغم التعديل الذي طال مقتضيات  الفصل 29 من قانون التحفيظ العقاري، فإن إمكانية قبول التعرض الاستثنائي من طرف المحافظ ولو في حالة عدم وجود أي تعرض سابق يدخل في إطار توسيع صلاحية المحافظ في هذا الصدد ضدا على كل المنابر الفقهية والاجتهادات القضائية التي حاولت جميعا التضييق منها قبل هذا التعديل، بحيث اعتبرت أن الاستثناء لا يمكن التوسع فيه وأن ملف مطلب التحفيظ الذي اجتاز الأجل القانوني العادي دون أن يعرف أية تعرضات لا يمكن  فتح باب النزاع بشأنه وإحياء الخلاف حوله عن طريق قبول تعرضات خارج الأجل القانوني، هذا مع العلم أن من فاته تقديم التعرض وتضرر من التحفيظ، أن يرفع دعواه أمام القضاء المختص لتعويضه عن الضرر الحاصل له من جراء التحفيظ.

ثانيا:  نتائج قرار المحافظ القاضي برفض التعرض الاستثنائي

حيث إنه بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 29 من قانون 14.07 وتحديدا الفقرة الأخيرة نص على أنه” يكون قرار المحافظ على الأملاك العقارية برفض التعرض (الاستثنائي) غير قابل للطعن القضائي”.

فإذا كان المشرع قد أعطى للمحافظ سلطة واسعة لقبول التعرض الاستثنائي والنظر فيه ضمن شروط معينة، إلا أنه يجب أن لا يفهم من هذا الاستثناء بأن المحافظ ملزم بقبول أي تعرض خارج الأجل مادام الملف يوجد بالمحافظة العقارية، بل هو تعرض استثنائي يخول للمحافظ قبوله بعد التقصي والبحث فيه، وفحص حجج طالب التعرض الاستثنائي وتقييم الظروف التي أدت إلى منعه من مباشرته داخل الأجل القانوني، بحيث يمكن له أن يقبله متى اقتنع المحافظ بوجاهته وصحته، كما يمكن له أيضا في نفس الوقت أن يرفضه.

وفي حالة رفضه أوضح المشرع بأن قرار المحافظ غير قابل للطعن القضائي،  فإذا كان المشرع هنا قد أحسن صنعا عندما ادخل تعديلات على الفصل  29 من قانون التحفيظ العقاري بأن قلل من الجهات التي تنظر في طلبات التعرض الاستثنائي وفي شروط قبوله، إلا أنه لم يحسن صنعا عندما أبقى على بعض الصلاحيات للمحافظ العقاري ومن بينها قرار القاضي برفض التعرض الاستثنائي وتحصينه من أي طعن قضائي، مما يعتبر معه تعسفا وإضرارا بحقوق الغير ، بمعنى تعتبر حسب وجهة نظرنا أن قرار المحافظ القاضي برفض التعرض الاستثنائي والقاضي بعدم إمكانية الطعن فيه أمرا يتناقض مع بنود الدستور الجديد الذي تشير بعض بنوده إلى أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون.

كما يتناقض اعتبار عدم قابلية قرار المحافظ القاضي برفض الطعن الاستثنائي مع مقتضيات الفصل 119 من الدستور المغربي التي نصت على أن” كل قرار اتخذ في المجال الإداري سواء أكان تنظيميا أو فرديا يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة”.

وبناء على ذلك فإن الفقرة الأخيرة من الفصل 29 من قانون التحفيظ العقاري يمكن اعتبارها من بعض الوجوه متناقضة مع فصول الدستور مما يبرر تعديلها انسجاما مع الدستور وتلاؤما مع مبادئ العدالة.

الفقرة الثانية: قرارات المحافظ القاضي بتحفيظ عقار

ينص الفصل 62 من قانون التحفيظ العقاري على أن ” الرسم العقاري نهائي ولا يقبل الطعن،  ويعتبر نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتحملات العقارية المترتبة على العقار وقت تحفيظه دون ما عداها من الحقوق غير المقيدة”.

فمن خلال هذا الفصل نرتئي أنه ينبغي الحديث في عن كل من المبادئ الأساسية التي تحكم عملية التحفيظ المرتبطة عضويا بنظام التحفيظ (أولا)، ثم نأتي إلى الحديث عن النتائج المترتبة عن عملية التحفيظ(ثانيا)، ثم نتعرض إلى الاستثناءات الواردة على قاعدة التطهير والمتعلقة ببعض العقارات المتسمة بالخصوصية(ثالثا).

أولا: المبادئ الأساسية التي تحكم قرارات التحفيظ

التحفيظ يعتبر نظاما قانونيا يضبط الحقائق الواقعة المنصبة على الملكية العقارية وذلك من خلال تقييدها بالسجلات العقارية، لتكون مرجعا للاطلاع على وضعية العقار، وإذا كان تأسيس رسم عقاري نهائي غير قابل للطعن ومطهر من جميع الحقوق غير المسجلة، من أهم نتائج المترتبة عن قرار التحفيظ، فإن مجموعة من المبادئ تواكب قرار التحفيظ تأسيسا على مقتضيات الفصل 62 من قانون التحفيظ يمكن الإشارة إليها كما يلي:

1- مبدأ النهائية: ومعناه أن الرسم العقاري المنبثق عن عملية التحفيظ لا يمكن المجادلة فيه أو إعادة النظر فيه أو التشكيك في مشروعيته وسلامته، باعتباره قرارا نافذا في حد ذاته ولا يحتاج إلى إجراءات التنفيذ، وبسبب ذلك، يضع قرار التحفيظ حدا نهائيا لمسطرة التحفيظ التي فتحت ونتج عنها قرار التحفيظ ، بحيث لا يمكن إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه سابقا، ونتيجة لذلك، يدخل العقار المحفظ طورا اخر لا علاقة له بالطور السابق عليه عند تقديم مطلب التحفيظ، وهذا يعني أن الصفة النهائية للرسم العقاري تتعلق بكل البيانات المدونة في الرسم العقاري ولها نفس الآثار في مواجهة الجميع كافة سواء أكانوا أطرافا أو خلفا عاما أو غيرا  بغض النظر عن كون بعضهم حسني النية أو سيئي النية، وتنصرف النهائية أيضا إلى الأشخاص المقيدين كمالكين لتلك الحقوق في الرسم العقاري، كما تشمل الصفة النهائية كذلك سائر الحقوق العينية التي تم تثبيتها في الرسم العقاري كحق السطحية أو كحق المرور مثلا.

2- مبدأ عدم القابلية للطعن: يعتبر قرار المحافظ القاضي بتحفيظ العقارالحجة القاطعة الوحيدة على حق الملكية وعلى باقي الحقوق العينية والتحملات العقارية المنصوص عليها في قرار التحفيظ، باعتباره غير قابل إطلاقا للطعن بإلغائه أو تغييره أو سحبه ولو عن طريق قرارات قضائية مخالفة، كما لا يمكن أن يكون موضوع تعديل من طرف المحافظ العام للمملكة ، بمعنى أن قرار المحافظ بتحفيظ العقار يحظى بحصانة مطلقة ضد أي طعن إداري أو قضائي ماعدا في حالات استثنائية جد ضيقة ستتم الإشارة إليها لاحقا.

وإذا كان القضاء لا يملك أية سلطة مهما كانت مرتبته للمس بقرار التحفيظ إلغاء أو تعديلا حتى ولو مس هذا القرار بحقوق الغير الثابتة له قبل التحفيظ، إلا أن القضاء يبقى له حق النظر في مطلب التعويض الذي يتقدم به المتضرر من تأسيس الرسم  العقاري.

3– مبدأ ضرورة عدم التعليل: إذا كان المحافظ يصدر قراره بتحفيظ العقار بدون تعليل ، فهذا يعني أن المحافظ غير ملزم بالإشارة في الرسم العقاري على جميع الإجراءات التي تمت  لتأسيس هذا الرسم، ومناقشة حجج طالب التحفيظ أو  المتعرض على مطلب التحفيظ، ومعنى ذلك أن المحافظ يعتبر أن الإجراءات المسلوكة خلال عملية التحفيظ وقبل تأسيس الرسم العقاري موضوع مطلب التحفيظ هي إجراءات  مطابقة للقانون ولا تتسم بأية ثغرات وأخطاء قد تدفع في اتجاه رفض التحفيظ ، وهكذا تصبح جميع الرسوم والعقود المدعمة لمطلب التحفيظ دون جدوى يلحقها الإلغاء أو الإبطال بعد تأسيس الرسم العقاري.

4- مبدأ اعتبار الرسم العقاري نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتحملات العقارية: لا ريب أن قرار التحفيظ الذي يصدره المحافظ والذي يتصف بالنهائية وعدم القابلية للطعن، فضلا عن كونه غير معلل، يترتب عنه تأسيس رسم عقاري يعد هو المرجع الوحيد للحقوق العينية والتحملات العقارية المسجلة فيه  وبطلان ما عداه من الرسوم أو العقود، وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المتضمنة به والتي لم تبرز خلال سريان مسطرة التحفيظ، بعبارة أخرى إن قرار المحافظ المذكور يعتبر نقطة البدء أو الانطلاق الوحيدة لجميع الحقوق والتكاليف العقارية المنصوص عليها في الرسم العقاري، باعتبار أن قرار التحفيظ يقطع أية صلة بماضي العقار، بحيث يصبح سند تملك الشخص المقيد كمالك للرسم العقاري هو عملية التحفيظ ذاتها وقرار المحافظ ذاته الذي يترتب عنه تطهير العقار تطهيرا تاما من جميع الحقوق غير الظاهرة وقت التحفيظ حتى ولو كانت مشروعة.

وتجدر الإشارة إلى أن المحافظ يتمتع بسلطة واسعة يعتبرها البعض شبه مطلقة لاتخاذ قرار التحفيظ وقرار برفض التحفيظ، ومع ذلك فإن سلطته هاته الشبه المطلقة تبقى خاضعة لمقتضيات القانون ومقيدة به ولو في إطار ضيق.

ثانيا: نتائج قرار التحفيظ

يترتب عن قرار التحفيظ العقاري بروز انطلاق مجموعة من النتائج يمكن الإشارة إليها كما يلي:

1-تأسيس رسم عقاري خاص بالعقار المحفظ يبقى محفوظا بأرشيف المحافظة العقارية، ويحق لمالك العقار المحفظ أن يطلب تسليمه نظير الرسم العقاري الذي يتضمن كل ماهو مسجل بالرسم الأصلي[16] الموجود بالمحافظة العقارية، أما إذا كان العقار المحفظ مملوكا لعدة أشخاص على وجه الشياع، فإنه لا يسلم إلا نظير واحد لأحد الشركاء المفوض له، أما أصحاب الحقوق العينية فيحق لهم الحصول على شهادة خاصة بالتقييد.

2- تقييد العقار بالسجل العقاري العام لدى المحافظة العقارية الذي تقيد فيه جميع العقارات التي تم تحفيظها بصفة نهائية، وإعطاء العقار المحفظ رقما مميزا خاصا به يختلف عن رقم مطلب التحفيظ السابق.

3- تضمين الرسم العقاري الأصلي وكذلك نظيره مجموعة من البيانات الجوهرية التي ينص عليها الفصل 52 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بالقانون رقم 14.07 نشير إليها كما يلي :

1/ وصف دقيق للعقار مع الإشارة إلى حدوده من مختلف الجهات، وكذلك الأملاك المجاورة وأصحابها، وتبيان نوع العقار من حيث طبيعة أرضه هل هي فلاحية أم لا، وهل هي مخصصة للبناء أم لا مع تبيان مساحتها وغير ذلك من المعطيات مع إعداد خريطة مرفقة بالرسم العقاري تثبت تلك البيانات الوصفية للعقار.

2/ تبيان الحالة المدنية للمالك وجنسه (ذكر أم أنثى) والحالة المدنية (متزوج أوعازب أو مطلق أو أرمل) واسم الزوجة، والنظام المالي للزوجين، وإذا كان العقار في حالة شياع بين الزوجين ينبغي تحديدا كل منهما، وإذا كان شخصا معنويا، فيجب تسميته وتبيان شكله القانوني وإيراد مقره الاجتماعي وأيضا ممثليه القانوني.

3/ تبيان الحقوق العينية المترتبة على العقار في حالة وجودها كحق الارتفاق، أو كحق المرور أو حق السطحية وغيرها من الحقوق والتحملات العقارية في حالة وجودها.

4/يترتب عن تأسيس الرسم العقاري، كون العقار يصبح خاضعا لنظام الإشهار العقاري عن طريق التقييدات طبقا لمقتضيات الفصل 65 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بقانون 14.07، بمعنى أن الحقوق العينية الواردة على العقار المحفظ لا يعترف بوجودها بين الأطراف أو في مواجهة الأغيار إلا من تاريخ تقييدها بالرسم العقاري، وهو تقييد يتسم بحجية مطلقة وبقوة ثبوتية.

5-يترتب عن قرار التحفيظ عدم سريان التقادم بنوعيه المكسب والمحفظ، كما لا يؤدي إلى زوال الحقوق العينية المقيدة بالرسم العقاري.

6- عدم إمكانية المطالبة العينية بالحقوق المتضررة بسبب التحفيظ حتى ولو استعان طالب التحفيظ لتحفيظ عقاره بطرق غير مشروعة كالتدليس مثلا ، بحيث يبقى للمتضرر من التحفيظ فقط حق المطالبة بالتعويض عن الضرر اللاحق  به من جراء عملية التطهير، طبقا لمقتضيات الفصلين 1 و62 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بقانون 14.07.

فإذ استعمل طالب التحفيظ  وسائل غير مشروعة كالتدليس إن لم نقل التزوير واتسمت الإجراءات التي سلكها في إطار تعامله مع الأشخاص المعنيين بتحريف الوقائع وطمس الحقائق وبالنصب، واستطاع بعد ذلك أن يستصدر عن المحافظ قرارا بتحفيظ عقاره ليحصل على مكاسب غير مشروعة على  حساب صاحب الحق الذي هو أولى بالعقار موضوع مطلب التحفيظ، فإن هذا الأخير المتضرر، يبقى من حقه أن يرفع دعوى التعويض عن الضرر ضد طالب التحفيظ باعتبار أنه يستحيل التراجع عن التحفيظ بعد صدور قرار المحافظ بتحفيظ العقار طبقا لمقتضيات الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري.

وواضح أن مفهوم التدليس الموجب للتعويض المنصوص عليه في الفصل المذكور هو باختصار هو استعمال الطرق الاحتيالية لإخفاء الحقيقة حسب ما ذهب إليه المجلس الأعلى بقوله” أن التحفيظ العقاري في اسم البائع بعد بيعه يعد تدليسا ضد المشتري موجبا للتعويض”[17].

وحسب الفصل 64 من قانون التحفيظ العقاري المعوض بقانون 14.07، فإنه:

– يمكن للمتضررين في حالة التدليس فقط أن يقيموا على مرتكب التدليس دعوى شخصية بأداء تعويضات.

– في حالة إعسار المدلس تؤدى التعويضات من صندوق التأمينات بمقتضى الفصل 100 من هذا القانون مع احتفاظ الصندوق بحق الرجوع على المعسر.

والملاحظ أن المشرع قد تحدث عن التدليس فقط كمبرر لرفع دعوى التعويض من طرف المتضرر ضحية التدليس المرتكب من طرف طالب التحفيظ، فإنه يجب أن يؤخذ التدليس بمفهومه الواسع بما في ذلك سوء النية وفساد الطوية.

ويشترط في دعوى التعويض هاته شرطان أساسيان هما:

– ثبوت تحقق ملكية الحق المدعى فيه بالتعويض لفائدة مرتكب التدليس.

– تحقق واقعة التدليس في حد ذاتها.

غير أنه إذا وقع الإضرار بصاحب الحق وتم التحفيظ ليس لفائدته، بل لفائدة شخص اخر لا يستحق أن يكون التحفيظ في اسمه وذلك بسبب خطإ صدر عن المحافظة العقارية تعلق الأمر بإغفال التضمينات أو التقييدات أو البيانات المتعلقة بالشهادات أو بنظائر الرسوم العقارية وغير ذلك، أو بفساد أو بطلان ما ضمن بالرسم العقاري من تقييدات أو بيانات، فإن المحافظ العقاري يكون مسؤولا شخصيا عن الضرر الحاصل لمن وقع الإخلال بحقه وما ترتب عنه من نتائج، وذلك طبقا لمقتضيات الفصل 97 المغير والمتمم بالقانون رقم 14.07.

ويعني هذا أن المحافظ في حالة صدور وحصول خطإ جسيم عن عملية التحفيظ، فإنه يكون مسؤولا عنه بالدرجة الأولى، ثم إنه مطالب بالتعويض عن الضرر الذي يرفعه المتضرر ضده شخصيا طبقا للقواعد العامة.

هذا وقد أشار الفصل 100-1 من القانون المذكور على أنه” يؤسس صندوق للتأمين الغاية منه أن يضمن في حالة عسر المحافظ العام أو المحافظ على الأملاك العقارية، أداء المبالغ المالية التي قد يحكم بها عليهم لصالح الطرف المتضرر من جراء خطإ في التحفيظ أو في تقييد لاحق”.

وبالرجوع إلى الفصل المذكور، وفي نفس الوقت تطبيقا لأحكام مسؤولية الدولة وموظفيها الواردة أعلاه، ونتيجة لما أصاب المتضرر من ضيم وتجاوز لمصالحه المشروعة ونتيجة لفقدان حقه بسبب التحفيظ، فإنه ينبغي التمييز بين حالتين:

الأولى: التي يكون فيها الضرر الذي أصابه نجم عن سوء تسيير أعمال المحافظة العقارية، بحيث يمكن للمضرور مقاضاة الدولة ومطالبتها بالتعويض عن الضرر الذي أصابه.

الثانية: هي التي يقع فيها الضرر بسبب خطإ ارتكبه المحافظ على الأملاك العقارية وفيها يحق للمضرور أن يقاضي المحافظ على الأملاك العقارية شخصيا، وهو بطبيعة الحال خطأ جسيم يتحمل المحافظ شخصيا مسؤوليته.

ولكن مع ملاحظة أنه في حالة إعسار المحافظ، فإنه يحق للمتضرر الرجوع على صندوق التأمين المحدث تطبيقا للفصل 100 من القانون المذكور، بمعنى اخر لا تجوز مطالبة الإدارة بالأداء أولا بسبب هذه الأضرار إلا عند إعسار المحافظ، ومبلغ التعويض يقتطع من صندوق التأمينات المشار إليها سالفا.

ثالثا: الاستثناءات الواردة على قاعدة التطهير

إذا كان المشرع المغربي قد اعتبر الرسم العقاري ذا طابع نهائي غير قابل للتغيير أو المراجعة، وعده نقطة الانطلاق الوحيدة  لإثبات الحقوق والتحملات العقارية، إلا أنه أشار في نفس الوقت إلى بعض الاستثناءات التي يمكن أن ترد على قاعدة التطهير الناتجة عن قرار المحافظ عن تطهير العقار وهي استثناءات تتضمنها مجموعة من الأنظمة القانونية  الخاصة، بمعنى أن تأسيس الرسم العقاري من قبل المحافظ بعد سلوك مسطرة التحفيظ  لا يعطي لهذا الرسم – حسب تلك الأنظمة القانونية الخاصة – الحصانة المنصوص عليها في الفصل 62 من ظهير التحفيظ العقاري، باعتبار تلك  الأملاك العقارية المشار إليها في تلك الأنظمة غير قابلة للتملك بالحيازة أو التقادم، ولكن يمكن التعرض على مطلب تحفيظها من طرف الجهة التي تملك سلطة الوصاية عليها بهذه الصفة، بحيث إذا تم تحفيظها من دون أن يقع التعرض عليها، فلا يترتب عن ذلك نشوء قاعدة التطهير للرسم العقاري، ومع ذلك لا يتم إلغاء  الرسم العقاري في هذه الحالة بعد إنشائه، غير أن إجراءات التحفيظ تعتبر كان لم تحصل، وبالتالي يمكن تسجيل الجهة الوصية على الرسم العقاري  الذي تم تحفيظه كمالكة إياه باعتبار أن هذا العقار يدخل من جملة الاستثناءات حتى ولو لم يتم إلغاء الرسم العقاري بعد إنشائه.

وفي هذا الصدد صدر قرار عن محكمة النقض قضى بأن ” الحبس لا يطهر بالتحفيظ، فيمكن للجهة المحبسة عليها أن ترفع الدعوى بشأن الحبس ولو كان في طور التحفيظ، بل وحتى ولو حصل تحفيظه، لأن ثبوت حبسه يبطل تحفيظه”[18].

فهذا القرار يؤكد على أن الأملاك المحبسة لا تقبل التطهير كغيرها من العقارات حتى ولو افترضنا على أن عقارا موضوع الحبس تم تحفيظه لفائدة الغير، فإن هذا التحفيظ يعتبر باطلا لا أثر له بالنسبة لمن وقع تحفيظه لفائدته، ليصبح العقار موضوع الحبس مملوكا للجهة الوصية على الأملاك العقارية.

ويمكن الإشارة إلى مجموعة من الأملاك العقارية التي يمكن تحفيظها من طرف المحافظ في اسم الغير، باعتبارها عقارات تخضع الاستثناءات الواردة على قاعدة التطهير وتتمثل فيما يلي:

1/ الأملاك العامة[19]: التي لا تثبت صفتها تلك (كونها عامة وليست خاصة) إلا للعقارات التي حددها المشرع وبالمواصفات القانونية والواقعية المبنية في الظهير المنظم لها وهو ظهير 1 يوليوز 1914 الذي تم تعديله بظهير 8 نونبر 1919، مع ملاحظة أن الملك العام (الذي يعود للدولة) يمكن أن يتحول إلى ملك خاص ليغدو من العقارات القابلة للتملك وبالتالي يمكن أن يقام عليها رسم عقاري.

2/ الأملاك الحبسية: وهي تنقسم إلى قسمين 1- ملك محبس معقب هو الذي يوقفه المحبس على أعقابه ( ورثته) ينتفعون به بعده دون حق تصرفهم في الرقابة ( أي الملكية) ويدوم الانتفاع حسب شروط رسم الحبس حتى انقطاع المستفيد منه ليصير المال المحبس إرثا 2- حبس عمومي وتخصص منفعته لوجه ومن وجوه البر والإحسان وتحقيق منفعة عمومية مثل أن تخصص عائداته لإنفاقها على مؤسسة خيرية أو تعليمية، مع ملاحظة أن المحبس لهذا النوع من الملك يشترط فيه أن يكون موضوع الحبس مملوكا له.

3/ الحقوق المائية: المنظمة بظهير 1/7/1914 المتمم بظهيري 1919 و1925، بحيث اعتبرت تلك الظهائر أن المياه و مهما  كان شكلها تدخل في مواد الأملاك العامة وينضاف إليها قانون 10.95 المتعلق بالماء الصادر بتنفيذه الظهير رقم 1.95.154 الصادر بتاريخ 16 غشت 1995 الذي  أكد  على قاعدة أن الماء تكون ملكيته عمومية، ونظم كيفية استعمالها ووسع من نطاقها[20]، مع ملاحظة أن الملك العام المائي يخضع استغلاله لنظام الترخيص المسبق من طرف وكالة الحوض المائي وفق مجموعة من الشروط المنصوص عليها في قانون الماء.

4/ الحقوق المنجمية: وقد نظمها ظهير 16 أبريل 1951 ثم ظهير 18 يونيو 1958 ، فهذه الحقوق مستثناة من قاعدة التطهير كما سبق القول، بمقتضى الفصل 15 من ظهير 2 يونيو 1915 المتعلق  بالقانون المطبق على العقارات المحفظة باعتبار أن ملكيتها تعود للدولة.

5/ الحقوق المتعلقة بالملك الغابوي: يعتبر مبدئيا من الأملاك العامة، بحيث يمكن للإدارة الوصية أن تتقدم بطلب تحفيظه لفائدتها أو تبادر إلى التعرض على كل مطلب تحفيظ قدمه الخواص أو تلجا إلى مسطرة التحديد الإداري وما يترتب عنه من اثار، وإذا كان المشرع قد أشار إلى بعض القرائن التي تثبت أن الملك الغابوي هو ملك عام كوجود بعض العلامات في العقار، إلا أن هذه القرينة ليست مطلقة، بل بسيطة يمكن إثبات عكسها والقضاء هو الذي يتولى تحديد هل الملك الغابوي المتعرض من طرف الجهة الوصية هو ملك عام أو خاص.

6/ الأراضي الجماعية[21]: هي أراضي لا يمكن تحفيظها من طرف الخواص، باعتبارها تعود للجماعات السلالية التي تقع في دائرتها ومعروف أن وزارة الداخلية هي الجهة الوصية عليها، بحيث يمكن لها القيام بإجراءات التحديد الإداري، والوقوف على عين المكان لتحديد الوعاء العقاري موضوع التحديد وإعداد محضر إداري يتعلق به، يوضع نظير له بالمحافظة العقارية التي تعمل على نشر هذا المحضر بالجريدة الرسمية ويترتب عنه فتح اجال التعرضات خلال أجل ستة أشهر.

وبعد انصرام أجل التعرضات وعدم وجود مطالب بشأن الملك العمومي الذي باشرت بشأنه الجهة الوصية إجراءات تحفيظه، يصدر مرسوم المصادقة على التحديد الإداري استنادا إلى شهادة المحافظ العقاري التي تتضمن ما يفيد أن وعاء التحديد لم يقع تحفيظه لا كليا ولا جزئيا بمقتضى رسم عقاري سابق، وأنه لا يوجد أي تعرض أو يوجد تعرض ولكنه لم يذيل بالمطلب التأكيدي ليعتبر في حكم العدم.

وبعد صدور مرسوم المصادقة تطلب الإدارية الوصية بعد توافر جميع الشروط تحفيظ العقار في اسمها، بحيث يقوم المحافظ بتأسيس الرسم العقاري للملك العمومي ليكتسب القوة التطهيرية.

7/ الأراضي المسترجعة: اعتبر المشرع أن جميع الأراضي المسترجعة التي كانت في ملكية الأجانب خارج الدوائر الحضارية تعتبر ملكا للدولة، بحيث لا يجوز الزعم بملكيتها عن طريق الحيازة.

8/ الأملاك الخاصة بالدولة: تسمى هذه الأملاك التي تشرف عليها إدارة الأملاك المخزنية بالأملاك المخزنية التي أكد المشرع على أنها لا يجوز كسبها بالتقادم حتى ولو أهملت الإدارة الوصية الإشراف عليها لمدة طويلة من الزمن كأن تكون متروكة ومهملة أو تكون من أراضي الموات.

فهذه الاستثناءات كما أشرنا إليها أعلاه تنصب على مجموعة من الأملاك العقارية التي لا تنفع معها قاعدة التطهير الناجمة عن قرار المحافظ وتأسيسه للرسم العقاري، وبالنظر إلى طبيعة هذه الاستثناءات نجد أن معظمها إن لم نقل كلها تدخل ضمن ممتلكات الدولة والدفاع عن مصالحها ومنع استغلالها من طرف الخواص، بحيث تؤدي دورا هاما ورئيسيا في إطار تسيير الدولة لشؤونها ومصالحها العامة لفائدة المواطنين والمجتمع عموما.

غير أنه يلاحظ أن هناك بعض الأملاك الخاضعة للاستثناءات بتعين على الجهات الوصية الخاضعة لها أن تباشر بعض الإجراءات للمحافظة عليها وإبقائها ضمن ملكيتها في حالة منازعة مع الغير فيها مثل الأملاك الغابوية والأراضي الجماعية، بحيث يمكن للجهة الوصية في كل منهما كوزارة الداخلية وإدارة المياه والغابات أن تتقدم كل منهما بطلب تحفيظ العقار موضوع الملك الغابوي أو الملك الجماعي حتى ولو وقع إهمال الجهات الوصية في هذا الصدد أو التعرض على مطلب التحفيظ المقدم من طرف الخواص.

ويترتب عن إجراءات تحفيظ أي من العقارين المذكورين تأسيس رسم عقاري يحمل اسم المالك وأعني الجهة الوصية المتمثلة في إدارة المياه والغابات والجماعات السلالية.

كما يمكن لمن له المصلحة في معارضة مطلب تحفيظ العقار لفائدة إحدى الجهتين المذكورتين أن يتقدم بدوره بالتعرض على مطلب التحفيظ الصادر عنها ليفصل القضاء في هذا التعرض ويقول كلمته بشأنه هل هو صحيح أم لا.

وواضح أن طالب التحفيظ يصبح في هذه المسطرة مدعى عليه والمتعرض مدعيا وكل منهما مطالب بتقديم حججه وعرض وثائقه التي يعتمد عليها إما بتحفيظ العقار أو بالتعرض عليه.

خاتمة:

إن المحافظ العقاري يلعب دورا هاما ورئيسيا في تحفيظ العقارات لتصبح في أسماء أصحابها بعد أن يتقدموا بمطلب التحفيظ دون أن تقع تعرضات عليه يحيلها إلى المحكمة المختصة ليتم البث فيها من طرف القضاء وبعد أن يصدر هذا الأخير قراره النهائي يحيله على المحافظ الذي بتقييد به ويسجل العقار موضوع مطلب التحفيظ في أن من يستحقه في أعقاب صدور قرارا بتحفيظه على ضوء ما توفر لديه من وثائق ومستندات وأحكام وغير ذلك.

من هنا كان قرار التحفيظ قرارا مصيريا وخطيرا لا يقبل الطعن بعد أن يكون العقار قد تم تطهيره من جميع التقييدات والحقوق السابقة على عملية التحفيظ، فهذا القرار إذا كان لا يقبل الطعن، فإن هناك قرارات أخرى تقبل الطعن أمام القضاء العادي أو إما أمام القضاء الإداري.


[1]  نشر بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 24 نونبر 2011.

[2]  مأمون الكزبري: التحفيظ العقاري والحقوق العينية الأصلية والتبعية، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، طبعة 1978 ص 19.

[3]  عبد الكريم شهبون : الشافي في شرح قانون التحفيظ العقاري الجديد رقم 14.07، مكتبة الرشاد سطات، الطبعة الأولى 1435- 2014، ص 113.

[4]  ينص الفصل 29 من القرار الوزيري المذكور على ما يلي ” يمكن لأصحاب الحقوق أن يطلبوا إصلاح ما وقع من السهو والغلط والخلل في الرسم العقاري أو في التضمينات الملحقة به، كما يمكن للمحافظ أن يصلح من تلقاء نفسه ما ذكر بمجرد معاينته في الرسوم أو الحجج والخرائط التي اتخذت أساسا في تحرير الرسم أو سائر التضمينات الملحقة به وحينئذ يعلم حائز نظير الرسم بالإصلاحات المذكورة ويلزم الإتيان بالنظير المذكور ليقع مطابقته مع الرسم، وعلى كل حال، فالتقييدات الأولى تبقى على حالها وتضمن الإصلاحات بعدها في التاريخ الجاري”.

[5]  ينص الفصل 30 من نفس القرار على أنه” إذا امتنع المحافظ عن مباشرة الإصلاحات المطلوبه منه أو إذا رفض أصحاب الحقوق الإصلاحات التي وقعت مباشرتها، فإن المحكمة تنظر في المسألة وتصدر حكمها في شأن ذلك في غرفة المشورة”.

[6]  الفقرتان 1 و2 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه.

[7]  فمثلا الفقيه المغربي عبد القادر لشقر اعتبره من القرارات القابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية. راجع عبد القادر لشقر، إشكالية الطعن في قرارات المحافظ على الأملاك العقارية في ضوء مستجدات قانون التحفيظ العقاري رقم 14.07 ودستور 2011، مقال منشور في مجلة الحقوق ” مجلة تعنى بالشؤون القانونية والقضائية، المستجدات التشريعية في المادة العقارية، سلسلة الأنظمة والمنازعات العقارية، الإصدار السابع، فبراير 2013، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ص 277.

[8]   مقتبسة من مذكرة للمحافظ العام رقم 5829 م.م.ع/ق.ت.ع/م.ت.م.ع بتاريخ 25 دجنبر 2001. مقتبسة من كتاب إدريس الفاخوري: الوسيط في نظام التحفيظ العقاري بالمغربي ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 2020، ص  99.

[9] حكم  صادر عن ابتدائية مكناس رقم 73 بتاريخ 28/1/2008 في الملف رقم 3319/4/2004.

[10] محمد خيري : التعرضات أثناء التحفيظ العقاري في التشريع المغربي،  ص 197 مقتبس من كتاب  إدريس الفاخوري:  الوسيط في نظام التحفيظ العقاري بالمغرب ، مرجع سابق، ص  103.

[11]  فاطمة الحروف: دور المحافظ العقاري بشأن التعرضات على مطلب التحفيظ، مقال منشور بمجلة القانون والاقتصاد، العدد 19، سنة 2002 ص 53.

[12]  حكم رقم 337  بتاريخ 1981-11-13 ، عدد 294 بتاريخ 1998- 06- 24 ، مقتبس من مجلة الحقوق، المستجدات التشريعية في المادة العقارية، مرجع سابق، ص 281.

[13]  مأمون الكزبري: التحفيظ العقاري والحقوق العينية الأصلية والتبعية في ضوء التشريع المغربي، الجزء الأول، شركة الهلال العربية للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، سنة 1987، ص 47.

[14]  محمد خيري : حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب ، دار نشر المعرفة سنة 2001، ص 177.

[15]  حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 85 بتاريخ 1996/06/23 في ملف رقم 13/98، غير منشور.

[16]  ينص الفصل 58 من القانون 14.07 على أنه” للمالك دون غيره، الحق في أخذ نظير من الرسم العقاري ومن التصميم الملحق به، يشهد المحافظ على الأملاك العقارية بصحتها بإمضائه ووضع خاتم المحافظة العقارية عليهما  في حالة الشياع لا يسلم إلا نظير واحد للشريك المفوض له بذلك”.

[17]  قرار عدد 746 بتاريخ 21-10-1978 في الملف المدني عدد 2164/1/1/95 مقتبس من كتاب محمد بلحاج الفحصي: نظام التحفيظ العقاري العقاري بالمغرب وفق اخر التعديلات القانون رقم 14.07 المغير والمتمم لظهير التحفيظ العقاري، الطبعة الأولى يناير 2018 ص 221.

[18]  قرار عدد 688 المؤرخ في 20/2/2008 في الملف المدني عدد 2162/1/3/ 2006(غير منشور).

[19]  راجع الفصل الأول من الظهير الشريف الصادر في 7 شعبان 1332 (1 يوليوز 1914) في شأن الأملاك العمومية بالايالة الشريفة الصادر في الجريدة الرسمية عدد 62 بتاريخ 10 يوليوز 1914 ص 275.

[20]  للمزيد من التفصيل أنظر المادة 2 من القانون رقم 10.95 المتعلق بالماء الصادر بتنفيذه الظهير رقم 1.95.154 بتاريخ 16 غشت 1995.

[21]  راجع الفصلان 1 و62 من ظهير التحفيظ العقاري الصادر في 12 غشت 1913.