في عام 1982 م نشرت مجلة « كيفونيم » التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، وثيقة بعنوان « استراتيجية إسرائيلية للثمانينات »، وقدمها الدكتور عصمت سيف الدولة كأحد مستندات دفاعه عن المتهمين في قضية تنظيم ثورة مصر عام 1988م الذي استهدف الدبلوماسيين الصهاينة في القاهرة عقب توقيع اتفاقية السلام المصرية– الإسرائيلية.<BR>وكان أهم ما ورد في هذه المذكرة فيما يتعلق بالعالم العربي والإسلامي عدة أمور تتعلق بالرغبة الصهيونية في تفتيت العراق وتقسيم وفصل جنوب السودان، واللعب على وتر الطائفية في لبنان، وفي العالم العربي.<BR><BR>ومن أبرز النقاط التي وردت في المذكرة الإسرائيلية: <BR>-تقسيم العراق: وقد حددوا تقسيم العراق في هذه الوثيقة إلى مقاطعات إقليمية طائفية كما حدث في سوريا في العصر العثماني في ثلاث دويلات (أو أكثر) حول المدن العراقية على النحو التالي: (دولة في البصرة، دولة في بغداد، دولة في الموصل، وتنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن الشمال السني الكردي في معظمه).<BR>- فصل جنوب السودان وتقسيمه.<BR>-السعي لإعلاء الثقافة الأمازيغية والاعتراف الرسمي بها كلغة ثانية، بجوار اللغة العربية في الجزائر.<BR>-تقسيم لبنان إلى عدد من الدويلات الطائفية، والذي حاولت الدولة الصهيونية تنفيذه في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وفشلت في تحقيقه.<BR>- تهجير الفلسطينيين إلى الأردن، والتخوفات العربية من استغلال أجواء العدوان على العراق لتنفيذ ذلك.<BR>-اللعب على وتر الأقليات في مصر، خصوصاً الأقلية المسيحية، وفكرة إنشاء دولة قبطية مسيحية في مصر العليا.<BR>وتتضمن الوثيقة الصهيونية حول ذلك تأكيداً على أن تفتيت مصر سوف ينعكس علي بقية الدول العربية المجاورة وفق نظرية الدومينو، دول مثل ليبيا والسودان التي ستنضم إلى حالة التفكك والسقوط التي ستتعرض لها مصر.<BR>-إن سوريا لا تختلف طائفيا عن لبنان وهناك حرب داخلية حقيقية بين الأغلبية السنية والأقلية الحاكمة من الشيعة العلويين الذين يشكلون 12% فقط من عـدد السكان، ومن المهم تفكيك سوريا ومعها العراق لأقاليم طائفية وعرقية ومعهما لبنان كنوع من الحماية الأمنية للجبهة الشرقية للدولة الصهيونية على المدى القصير.<BR>بل إن الوثيقة الصهيونية تحدثت عن الرغبة في تقسيم سوريا إلي عدة مناطق علي النحو التالي: (دولة علوية تظهر على الشاطئ، دويلة سنية في منطقة حلب، دويلة سنية أخرى منطقة دمشق، دويلة في الجولان للدروز تكون علي علاقة طيبة مع إسرائيل) وبذلك يضمن الصهاينة ما يسمونه « الأمن والسلام في المنطقة بكاملها ». وهم يقصدون أمنهم على أي حال.<BR><BR>ولم تكتف الوثيقة الصهيونية بذلك، ولكنها رسمت الطريقة لكيفية تفتيت باقي الدول العربية، خصوصاً الخليجية التي قالت:  » إنها قائمة على بناء هش ليس فيه سوى النفط »، وركزت على الشيعة في منطقة الخليج واليمن ودورهم في الانفصال أو السيطرة على الحكم في الدول التي بها أغلبية شيعية، كما تناولت التقسيم الطائفي والعرقي في كل من إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان وكيفية الاستفادة منه!<BR><BR><font color= »#0000ff »>خطط عملية لتقسيم السودان وأفريقيا؟!</font><BR>وفي التسعينات حرصت أطراف سودانية وعربية على ترجمة توزيع كتاب (إسرائيل وجنوب السودان)، أصدره مركز ديان للأبحاث التابع لجامعة تل أبيب، يشرح خلفيات مساندة الصهاينة للحركة الانفصالية في جنوب السودان، ذكر فيه المؤلف صراحة أن الاستراتيجية الإسرائيلية إزاء المنطقة تقوم على تشجيع وحث الأقليات في المنطقة للتعبير عن ذاتها، للحصول على حق تقرير المصير والانفصال عن الدولة الأم.<BR>والفكرة الكامنة وراء ذلك، هي التأكيد على أن المنطقة ليست كما يؤكد العرب وحدة ثقافية وحضارية واحدة، وإنما هي في حقيقة الأمر خليط متنوع من الثقافات والتعدد اللغوي والديني والإثني، ما بين عرب وفرس وأتراك وأرمن وإسرائيليين (لاحظ محاولة خلق وجود لهم بالمنطقة) وأكراد وبهائيين، ودروز وبروتستانت وكاثوليك، وعلويين وشيعة وسنة وتركمان وصابئة… إلخ.<BR><BR>وقد حصل موقع (المسلم) على نسخة من هذا الكتاب الخطير الذي كتبه ضابط الموساد السابق العميد المتقاعد موشى فرجى، والذي يدور محوره حول التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي في التعامل مع العالم العربي ودول الجوار التي تحيط به، والتي تتلخص في نظرية أمريكية طبقها كلينتون مع السودان فيما بعد تقوم على « شد الأطراف ثم بترها » على حد تعبير الكاتب الصهيوني، بمعنى مد الجسور مع الأقليات وجذبها خارج النطاق الوطني، ثم تشجيعها على الانفصال (وهذا هو المقصود بالبتر)، لإضعاف العالم العربي وتفتيته، وتهديد مصالحه في ذات الوقت. <BR><BR>وفى إطار تلك الاستراتيجية قامت عناصر الموساد بفتح خطوط اتصال مع تلك الأقليات، التي في المقدمة منها الأكراد في العراق والموارنة في لبنان والجنوبيون في السودان، وكانت جبهة السودان هي الأهم، لأسباب عدة في مقدمتها إنها تمثل ظهيراً وعمقاً استراتيجياً لمصر، التي هي أكبر دولة عربية، وطبقاً للعقيدة العسكرية الإسرائيلية فإنها تمثل العدو الأول والأخطر لها في المنطقة، ولذلك فان التركيز عليها كان قويا للغاية.<BR>ويضمن كتاب العميد فرجى شرح بتفصيل مدهش ما فعلته (إسرائيل) لكي تحقق مرادها في إضعاف مصر وتهديدها من الظهر، وكيف أنها انتشرت في قلب أفريقيا (في المدة من عام 56 إلى77 وأقامت علاقات مع 32 دولة إفريقية) لكي تحيط بالسودان وتخترق جنوبه، وكيف انتقت من بين الزعماء الحركة الانفصالية واختبرت جون قرنق، فأعدته وساندته لكي يتحدى حكومة الخرطوم ويفرض نفسه عليها إلى جانب الضغط على مصر.<BR><BR>ويتضمن الكتاب تفاصيل دقيقة عن أسماء الدول التي تغلغل فيها ضباط الموساد في أفريقيا كي يحيطوا بالسودان، وأسماء الصهاينة الذين شاركوا في الخطة، وكيف وصل الأمر لحد السيطرة على أجهزة الأمن في عدة دول إفريقية مثل إثيوبيا وغيرها، وكيف وصل عدد المستشارين الإسرائيليين الذين تولوا مهام تدريب الوحدات الخاصة في إثيوبيا علي سبيل المثال عام 1960م إلى 600 مستشار وإلى 500 مستشار في أوغندا وإلى 650 ضابطاً ومستشاراً صهيونياً في إرتريا عام 1997م، فضلاً عن السعي لإقامة عدة قواعد عسكرية موجهة ضد الدول العربية مثل القاعدة البحرية في ميناء « مصوع » عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بالإضافة إلى القواعد الجوية في كل من إثيوبيا وكينيا، والتواجد الجوى في غينيا والقواعد جوية في تشاد في المنطقة المجاورة لحدود السودان وغيرها الكثير!!<BR><BR>كما يتضمن الكتاب تفاصيل دقيقة للغاية عن كيفية التواصل مع قادة حركة التمرد في جنوب السودان بداية من تقديم المساعدات الإنسانية للجنوبيين في الخمسينات وتعميق هوة الصراع بين الجنوبيين والشماليين، إلي تدفق صفقات الأسلحة الإسرائيلية على جنوب السودان عبر الأراضي الأوغندية في الستينات، إلى تدريب المليشيات الجنوبية في كل من أوغندا وإثيوبيا وكينيا في السبعينات والثمانينات حيث بدأ التمرد في الجنوب عام 1983م على يد جون قرنق، وإرسال الوفود للتنقيب عن النفط في جنوب السودان حتى إعلان قرنق نوايا الانفصال وقبل أن يصبح نائب أول للرئيس ثم يلقي مصرعه!<BR><BR><font color= »#0000ff »>الصهاينة والعراق: </font><BR>أثار الدستور العراقي الجديد الذي صاغه بشكل أساسي الشيعة والأكراد، وأصروا فيه على وضع بذور الانفصال لدولة كردية في الشمال ودولة شيعية في الجنوب وأجزاء من الوسط، جديد الدور الصهيوني في التمهيد لهذه الخطط، والذي لم يكشف الكثير عنه – كما كشفوا هم خططهم في أفريقيا – وربما يكشف مستقبلاً.<BR>فقد كشف النقاب عقب الغزو الأمريكي مباشرة عن انتقال عشرات المجموعات من الصهاينة إلى شمال العراق وافتتاح شركات وبدء أنشطة متعددة هناك، وكشف قادة أكراد عن غزو صهيوني لمناطق الشمال امتد لمناطق أخرى في العراق بشكل مستتر، ورصدت قوى سنية عراقية زارت القاهرة هذا الوجود الصهيوني وأكدته لـ « المسلم » ما يشير إلى أن الأصابع الصهيوني تتحرك بهمة ونشاط لتنفيذ الشق الثاني من خطط تفتيت العالم العربي.<BR>ويبدو أن أخطر ما سيترتب على الدستور العراقي الجديد أنه لن يؤدي فقط لتفتيت الدولة العراقية الموحدة في المستقبل القريب، ولكنه سيكون مفتاح مرور لهذه الطائفية والعرقية إلى باقي البلدان العربية في المنطقة كما تشير الوثائق الصهيونية المعدة لتفتيت المنطقة.<BR>وهنا يثار السؤال: هل ما تسرب سابقاً عن خطط أمريكية أعدها قادة اليمين المسيحي الصهيوني في إدارة بوش – نقلاً عن خطط إسرائيلية – لتفتيت هذه المنطقة كحل للسلام الذي يريدونه وهيمنة أمريكا على العالم الإسلامي، بدأ تنفيذه بالعراق وسيستمر العرض ليطال باقي الدول العربية والإسلامية بدعوى نشر الديمقراطية والحريات والقضاء على العنف؟<BR>ثم ما الذي يمنع أن يمتد حريق هذه الطائفية والتفتيت في المنطقة العربية إلى شيعة وأكراد باقي المنطقة ومسيحيوها، خاصة أن هناك تركيزاً صهيونياً – يواكبه نشاط شيعي -على شيعة المنطقة العربية المحيطة بالعراق والمنتشرين في الخليج العربي خاصة السعودية والبحرين والإمارات والكويت وفي سوريا ولبنان وفق مذاهب تشيع مختلفة، إضافة إلى أكراد المنطقة المنتشرين في سوريا وتركيا، ويتعداه إلى قوى طائفية ودينية أخرى في غالبية المنطقة العربية؟<BR>لقد نجحت الحكومة السعودية في الاستيعاب المبكر لهذه الأقلية الشيعية التي تقدر بمليوني شيعي، والتي تستقر الغالبية العظمى منها في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط ، فور ظهور بوادر مخاطر الغزو الأمريكي للعراق وعلو شأن شيعة العراق، من خلال حوارات الإصلاح وتسليم وثيقة اشتهرت بعنوان « شركاء في الوطن » من قبل مثقفين شيعة للملك عبد الله بن عبد العزيز – حينما كان ولياً للعهد- تطالب بإصلاحات سياسية وحريات أوسع.<BR>وبدا أن مشاركة الشيعة في انتخابات البلديات السعودية الأخيرة وفوزهم في مناطق تمركزهم مؤشر على هذا الاستيعاب بعد مدة توتر وشكاوى شيعية من معاملتهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية في أوقات سابقة.<BR>وهناك مخاوف أخري للحكومة من شيعة البحرين (80% في تقديراتهم) والذين يشكلون أغلبية في البلاد ودخلوا في أوقات سابقة –بجانب التيارات الليبرالية واليسارية- في صراعات مع الحكومة السنية، تعرضوا خلالها لاعتقالات طالت رموزهم خصوصاً في عقد التسعينيات، وتساؤلات حول هل يدفعهم دستور العراق الطائفي للتقدم بمطالب سياسية ذات سقف أعلى ونصيب أوفر في السلطة والثروة، وكذلك شيعة الكويت (30% حسب تقديرات غير رسمية) وربما شيعة الإمارات (16%).<BR><BR> وفي ظل وجود خريطة متشعبة من الأقليات العرقية والطائفية والإثنية في المنطقة، قد نرى قريباً كتابا منشوراً –على غرار كتاب موشي فيرجي عن جنوب السودان- يشرح لنا كيف توغل الصهاينة في العراق، وكيف نجحوا في تفتيته؟ وكيف تحركوا في باقي الدول العربية لتأجيج المشاكل الطائفية والدينية والعرقية فيها

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here